فصل: تفسير الآيات رقم (131- 132)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏130‏]‏

‏{‏وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏130‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم‏}‏، يقول‏:‏ عن سنته ودينه وهو الإسلام‏.‏ ويقال لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التقريع والتوبيخ، ‏{‏وَمِنْ‏}‏ ها هنا بمعنى ‏(‏ما‏)‏، فكأنه يقول‏:‏ وما يرغب عن دين إبراهيم ‏{‏إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ‏}‏‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ إلا من أهلك نفسه‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ معناه إلا من سفه من نفسه‏.‏ هذا كما قال في آية أخرى ‏{‏وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء أَوْ أَكْنَنتُمْ فى أَنفُسِكُمْ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فى أَنفُسِكُمْ فاحذروه واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 235‏]‏ أي على عقدة النكاح‏.‏ ويقال‏:‏ إلا من جهل أمر نفسه، فلا يتفكر فيه، كما قال في آية أخرى ‏{‏وفى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 21‏]‏، قال الكلبي‏:‏ ومن يرغب عن دين إبراهيم الإسلام والحج والطواف، إلا من خسر نفسه‏.‏

ثم‏:‏ ‏{‏وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا‏}‏، يقول‏:‏ اخترناه في الدنيا للنبوة والرسالة والإسلام والخلة‏.‏ ‏{‏وَإِنَّهُ فِى الاخرة لَمِنَ الصالحين‏}‏، أي في الجنة‏.‏ ويقال‏:‏ مع الصالحين في الجنة وهو أفضل الصالحين ما خلا محمداً صلى الله عليه وسلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏131- 132‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏131‏)‏ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏132‏)‏‏}‏

‏{‏إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ‏}‏ ‏{‏قال ابن عباس‏:‏ يعني أخلص‏.‏ ويقال‏:‏ معناه قل لا إله إلا الله‏.‏ ويقال‏:‏ معناه استقم على ما أنت عليه‏.‏ ويقال‏:‏ حين خرج من السرب، نظر إلى الكوكب والقمر والشمس، فابتلي بذلك فألهمه الله تعالى الإخلاص، فقال‏:‏ ‏{‏إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السماوات والارض حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 79‏]‏ الآية‏.‏ فهذا معنى قوله ‏{‏أَسْلَمَ‏}‏ أي أخلص دينك لله ف ‏{‏قَالَ‏}‏ إبراهيم عليه السلام‏:‏ ‏{‏أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين‏}‏، أي أخلصت ديني لرب العالمين‏.‏ ويقال‏:‏ فوض أمرك إلى الله فقال فوضت أمري إلى الله‏.‏

‏{‏ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ‏}‏، أي بشهادة أن لا إله إلا الله‏.‏ قرأ نافع وابن عامر ‏{‏***وَأَوْصَى‏}‏ وقرأ الباقون ‏{‏العالمين ووصى‏}‏ وهو أبلغ من أوصى، لأنه لا يكون إلا لمرات كثيرة‏.‏ وقوله ‏{‏بِهَا‏}‏، يرجع إلى الملة، والملة هي السنة والمذهب‏.‏ ويقال‏:‏ إنه جمع بنيه عند موته، لأنه خشي عليهم كيد إبليس فجمعهم وأوصاهم بأن يثبتوا على الإسلام‏.‏ قال مقاتل‏:‏ ‏{‏ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ‏}‏ الأربعة‏:‏ إسماعيل وإسحاق ومدين ومداين، ثم أوصى بها يعقوب بنيه، وهم اثني عشر ابناً، وذلك حين دخل مصر فرآهم يعبدون الأصنام، فأوصى بنيه بأن يثبتوا على الإسلام وكانوا اثنا عشر ابناً‏:‏ روبيل وشمعون ويهوذا ولاوي ونفتال وريالون ويشجر ودان واشترفياحان وحان ويوسف وبنيامين‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَعْقُوبُ يابنى إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين‏}‏، أي اختار لكم دين الإسلام ‏{‏فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏، يعني اثبتوا على الإسلام وكونوا بحال لو أدرككم الموت يدرككم على الإسلام، وأنتم مخلصون بالتوحيد‏.‏ فقالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ألست تعلم أن يعقوب عليه السلام يوم مات أوصى بنيه بدين اليهودية‏؟‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏133‏]‏

‏{‏أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏133‏)‏‏}‏

فأنزل الله تعالى ‏{‏أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء‏}‏، يقول‏:‏ أكنتم حضوراً ‏{‏إِذْ‏}‏ حين ‏{‏حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت‏}‏ معناه إنكم تدعون ذلك، كأنكم كنتم حضوراً في ذلك الوقت، يعني أنكم تقولون ما لا علم لكم بذلك، والله تعالى يخبر ويبين أن وصيته كانت بخلاف ما قالت اليهود؛ وإنما لم ينصرف ‏{‏شُهَدَاء‏}‏ لمكان ألف التأنيث في آخره، وإذا دخلت ألف التأنيث أو هاء التأنيث في آخر الكلام فإنه لا ينصرف‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى‏}‏، أي من تعبدون بعد موتي‏؟‏ ‏{‏قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم‏}‏‏.‏ روي عن الحسن البصري أنه قرأ ‏{‏قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ‏}‏‏.‏ وقرأ غيره ‏{‏قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق‏}‏‏.‏ وإسماعيل كان عم يعقوب، ولكن العم بمنزلة الأب بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» ثم قال‏:‏ ‏{‏إلها واحدا‏}‏، أي نعبد إلهاً واحداً‏.‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ أي مخلصون له بالتوحيد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏134‏]‏

‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏134‏)‏‏}‏

‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ‏}‏ أي جماعة قد مضت‏.‏ ‏{‏لَهَا مَا كَسَبَتْ‏}‏، أي جزاء ما عملت من خير أو شر‏.‏ ‏{‏وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏؛ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون‏:‏ نحن على دينهم، فقال لهم‏:‏ ‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ‏}‏، لا تقدرون عليهم فيشهدوا لكم، فلهم ما عملوا وإنما لكم ما تعملون، وإنما ينظر اليوم إلى أعمالكم، ولا ينفعكم من أعمالهم شيء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏135‏]‏

‏{‏وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏135‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ‏}‏، وذلك أن يهود المدينة ونصارى أهل نجران اختصموا، فقال كل فريق‏:‏ ديننا أصوب، ونبينا أفضل‏.‏ فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أينا أفضل‏؟‏ فقال لهم‏:‏ «كُلُّكُمْ عَلَى البَاطِلِ» فأعرضوا عنه فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى‏}‏ يعني اليهود قالوا‏:‏ كونوا على دين اليهود والنصارى قالوا‏:‏ كونوا على دين النصرانية تهتدوا من الضلالة‏.‏

قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين‏}‏‏.‏ وإنما نصب الملة على معنى‏:‏ بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً‏.‏ ويقال‏:‏ معناه واتبعوا ملة إبراهيم‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ بل الدين ملة إبراهيم حنيفاً، أي مخلصاً‏.‏ وقال القتبي‏:‏ حنيفاً أي مستقيماً‏.‏ ويقال للأعرج حنيف نظراً إلى السلامة، كما يقال للديغ‏:‏ سليم، وللجبانة مفازة، وإن كانت مهلكة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أصل الحنف إذا كان أصابع الرجل مقبلاً بعضها إلى بعض إقبالاً لا تنصرف عن ذلك أبداً، فكذلك كان إبراهيم عليه السلام مقبلاً على دين الإسلام، مائلاً عن الأديان كلها ‏{‏وَمَا كَانَ مِنَ المشركين‏}‏ ولكن كان على دين الإسلام‏.‏ فقال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ كيف نقول حتى لا نكذب أحداً من الأنبياء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏136- 137‏]‏

‏{‏قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏136‏)‏ فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏137‏)‏‏}‏

فعلمهم الله عز وجل بقوله‏:‏ ‏{‏قُولُواْ ءامَنَّا بالله‏}‏، أي صدقنا بأنه واحد لا شريك له‏.‏ ‏{‏وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا‏}‏، يقول‏:‏ صدقنا بما أنزل إلينا، أي بما أنزل على نبينا من القرآن ‏{‏وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم‏}‏، يقول صدقنا بما أنزل على إبراهيم من الصحف‏.‏ ‏{‏وَ‏}‏ ما أنزل إلى ‏{‏إسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ‏}‏ وهم أولاد يعقوب، كان له اثنا عشر ابناً، فصار أولاد كل واحد منهم سبطاً، والسبط بلغتهم بمنزلة القبيلة للعرب‏.‏ وإنما أنزل على أنبيائهم وكانوا يعملون به، فأضاف إليهم، كما أنه أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فأضاف إلى أمته فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا‏}‏ فكذلك الأسباط أنزل على أنبيائهم فأضاف إليهم، لأنهم كانوا يعملون به‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى‏}‏، يعني التوراة والإنجيل‏.‏ ‏{‏وَمَا أُوتِيَ النبيون مِن رَّبّهِمْ‏}‏، يعني وما أنزل على الأنبياء من الله تعالى وقد آمنا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب ‏{‏لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ‏}‏، أي من رسله كما فرقت اليهود والنصارى، ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُّسْلِمُونَ‏}‏، أي مخلصون له بالتوحيد‏.‏

ثم قال تعالى للمؤمنين ‏{‏فَإِنْ ءامَنُواْ‏}‏، يعني اليهود والنصارى ‏{‏بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ‏}‏، يعني به يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ‏{‏فَقَدِ اهتدوا‏}‏ من الضلالة‏.‏ ‏{‏وَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏، أي‏:‏ أعرضوا عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الأنبياء عليهم السلام ‏{‏فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ‏}‏، يقول إنهم في خلاف من الدين‏.‏ ويقال‏:‏ في ضلال‏.‏ والشقاق في اللغة‏:‏ له ثلاثة معان، أحدها‏:‏ العداوة مثل قوله تعالى‏:‏ و‏{‏وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقى أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالح وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 89‏]‏، والثاني‏:‏ الخلاف مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابعثوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إصلاحا يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 35‏]‏، والثالث‏:‏ الضلالة مثل قوله‏:‏ ‏{‏لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشيطان فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والقاسية قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظالمين لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 53‏]‏، ‏{‏فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله‏}‏، أي يدفع الله عنكم مؤنتهم‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ هذا ضمان من الله تعالى النصر لنبيه، أنه سيكفيه إياهم بإظهاره على كل دين سواه، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَتَبَ الله لاّغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلى إِنَّ الله قَوِىٌّ عَزِيزٌ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 21‏]‏ يعني أن عاقبة الأمر كانت لهم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ يعني قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير‏.‏ ‏{‏وَهُوَ السميع العليم‏}‏ بقولهم للمؤمنين حيث قالوا‏:‏ كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا، العليم بعقوبتهم‏.‏ ثم فضل دين محمد صلى الله عليه وسلم على كل دين فقال تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏138‏]‏

‏{‏صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ‏(‏138‏)‏‏}‏

‏{‏صِبْغَةَ الله‏}‏، أي‏:‏ اتبعوا دين الله والزموه، لا دين اليهود والنصارى‏.‏ ‏{‏وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً‏}‏، أي دين أحسن من دين الله تعالى، وهو دين الإسلام‏.‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ عابدون‏}‏، أي موحدون مقرون، وذلك أن النصارى إذا ولد لأحدهم ولد غمروه في اليوم السابع في ماء لهم، ليطهروه بذلك ويقولون‏:‏ هذا طهور مكان الختان، وهم صنف من النصارى يقال لهم‏:‏ المعمودية‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابدون‏}‏، أي مطيعون، ولنا الختان طهور، طهَّر الله به إبراهيم عليه السلام وروى سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ ختن إبراهيم عليه السلام نفسه بالقدوم وهو ابن مائة وعشرين سنة‏.‏ والقدوم موضع بالشام‏.‏ ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة‏.‏ وقال القتبي‏:‏ هذا من الاستعارة حيث سمى الختان صبغة، لأنهم كانوا يصبغون أولادهم في ماء‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ صبغة الله لا صبغة النصارى، يعني اتبعوا دين الله والزموا دين الله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏139‏]‏

‏{‏قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ‏(‏139‏)‏‏}‏

ثم قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ يا محمد ليهود أهل المدينة والنصارى أهل نجران‏:‏ ‏{‏أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ‏}‏، يعني أتخاصموننا في دين الله، ونحن نوحد الله‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ نزلت هذه الآية في اليهود والذين كانوا يظاهرون المشركين، فقال‏:‏ أنتم تقولون‏:‏ أنكم توحدون الله ونحن نوحد الله تعالى، فلم تظاهرون علينا من لا يوحد الله تعالى‏؟‏ ‏{‏وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أعمالنا‏}‏، أي ثواب أعمالنا ‏{‏وَلَكُمْ‏}‏ ثواب ‏{‏أعمالكم وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ‏}‏، أي مقرُّون له بالوحدانية مخلصون له بالعبادة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏140‏]‏

‏{‏أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏140‏)‏‏}‏

‏{‏أَمْ تَقُولُونَ‏}‏ ‏{‏قرأ الكسائي وعاصم وحمزة في رواية حفص ‏{‏أَمْ تَقُولُونَ‏}‏ بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون‏:‏ بالياء «أمْ يَقُولُونَ» على معنى المغايبة‏.‏ ‏{‏إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى‏}‏، يعني إن تعلقتم أيضاً بدين الأنبياء فنحن على دينهم، وقد آمنا بجميع الأنبياء، فإن ادعيتم أن الأنبياء كانوا على دين اليهودية أو النصرانيّة وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى، ‏{‏قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله‏}‏‏.‏ فالله تعالى أخبر أنهم كانوا على دين الإسلام، وقد بيَّن ذلك في كتبهم حيث قال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة عِندَهُ مِنَ الله‏}‏، لأن الله تعالى قد أخذ عليهم الميثاق بأن يبيِّنوه فكتموه‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏، أي لا يخفى على الله من عملهم شيء فيجازيهم بذلك‏.‏ ويقال‏:‏ هذا القول وعيد للظالم وتعزية للمظلوم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏141‏]‏

‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏141‏)‏‏}‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏، وقد ذكرنا تفسيرها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏142‏]‏

‏{‏سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏142‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس‏}‏، يعني الجهال وهم اليهود والمنافقون‏.‏ ويقال‏:‏ هم أهل مكة‏:‏ ‏{‏مَا ولاهم‏}‏ أي يقولوا‏:‏ ما الذي صرفهم ‏{‏عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا‏}‏ يعني التي صلوا إليها من قبل؛ وذلك أن الأنصار قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، صلى إلى بيت المقدس ثمانية عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم أمر بالتحويل إلى مكة‏.‏ فقال أهل مكة‏:‏ رجع محمد إلى قبلتنا، فعن قريب يرجع إلى ديننا فأنزل الله تعالى ‏{‏قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب‏}‏، يقول‏:‏ إن الصلاة إلى بيت المقدس والصلاة إلى الكعبة لله إذا كان بأمر الله‏.‏

‏{‏يَهْدِى مَن يَشَآء‏}‏، أي يرشد من يشاء إلى قبلة الكعبة ‏{‏إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ أي ديناً يرضاه‏.‏ روي عن أبي العالية الرياحي أنه قال‏:‏ رأيت مسجد صالح النبي صلى الله عليه وسلم وقبلته إلى الكعبة‏.‏ قال‏:‏ وكان موسى عليه السلام يصلي من الصخرة إلى الكعبة، وهي قبلة الأنبياء كلهم، صلوات الله عليهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏143‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏143‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا‏}‏ والوسط هو العدل، كما قال تعالى في آية أخرى‏:‏ ‏{‏قال أوسطهم‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 28‏]‏، أي أخيرهم وأعدلهم‏.‏ والعرب تقول‏:‏ فلان من أوسط قومه، أي خيارهم وأعدلهم، ومنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ هو أوسط قريش حسباً‏.‏ أي جعلناكم عدلاً للخلائق‏.‏ ‏{‏وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس‏}‏، يعني للنبيين‏.‏ ‏{‏وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا‏}‏ بالتصديق لكم وذلك أن الله تعالى إذا جمع الخلق يوم القيامة فيسأل الأنبياء عليهم السلام عن تبليغ الرسالة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ للكافرين عَذَاباً أَلِيماً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 8‏]‏ فيقولون‏:‏ قد بلغنا الرسالة، فتنكر أممهم تبليغ رسالته، فتشهد لهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بتبليغ الرسالة فتطعن الأمم في شهادتهم، فيزكيهم النبي صلى الله عليه وسلم فذلك معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا‏}‏ وَمعنى قوله ‏{‏وكذلك‏}‏ أي وكما هديناكم للإسلام والقبلة الكعبة فكذلك جعلناكم أمة عدلاً لتكونوا شهداء على الناس‏.‏

وللآية تأويل آخر‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا‏}‏ أي عدلاً، لتكونوا شهداء على الناس‏.‏ يقول‏:‏ إنكم حجة على جميع من خلقنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم حجة عليكم‏.‏ والشهادة في اللغة‏:‏ هي البيان، فلهذا يسمى الشاهد بيِّنة، لأنه بيَّن حق المدعي، يعني أنكم تبيِّنون لمن بعدكم، والنبي صلى الله عليه وسلم يبين لكم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا‏}‏، أي ما أمرناك بالصلاة إلى القبلة الأولى، ويقال‏:‏ ما حولنا القبلة التي كنت عليها، ‏{‏إِلاَّ لِنَعْلَمَ‏}‏‏.‏ يقول‏:‏ إلا لنختبر ونبيِّن ‏{‏مَن يَتَّبِعُ الرسول‏}‏، يطيع الرسول في تحويل القبلة، ‏{‏مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ‏}‏، أي يرجع إلى دينه بعد تحويل الله القبلة‏.‏ ‏{‏وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً‏}‏، أي وقد كانت لثقيلة وهو صرف القبلة‏.‏ ‏{‏إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله‏}‏، أي حفظ الله قلوبهم على الإسلام وأكرمهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم في تحويل القبلة، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ يا رسول الله فإخواننا الذين ماتوا ما صنع الله بصلاتهم التي صلوا إلى بيت المقدس‏؟‏ فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم‏}‏، يعني لم يبطل إيمانكم وإنما تحولت قبلتكم‏.‏ ويقال‏:‏ يعني صلاتهم إلى بيت المقدس، التي صلوا إليها وماتوا عليها لأن اليهود قالوا‏:‏ قد بطل إيمانكم حين تركتم القبلة، فنزل ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم‏}‏ يعني يبطل إيمانكم‏.‏

قال الضحاك‏:‏ يعني لم يبطل تصديقكم بالقبلتين‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله بالناس *** لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏، يعني بالمؤمنين رحيم حين قبلها منهم ولم يضيع إيمانهم‏.‏ قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر‏:‏ ‏{‏***لَرَؤُفٌ‏}‏ بالهمزة على وزن رعف، وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏والله رَءوفٌ‏}‏ على وزن فعول في جميع القرآن، وهما لغتان ومعناهما واحد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏144- 145‏]‏

‏{‏قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ‏(‏144‏)‏ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏145‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء‏}‏، أي رفع بصرك إلى السماء وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل‏:‏ «وَدِدْتُ لَوْ أنَّ الله تَعَالى صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إلَى غَيْرِهَا» وإنما أراد الكعبة لأنها قبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء عليهم السلام وذلك لأنها كانت أدعى للعرب إلى الإسلام فقال له جبريل‏:‏ إنما أنا عبد مثلك لا أملك شيئاً فاسأل ربك، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء‏}‏، أي رفع بصرك إلى السماء‏.‏ ‏{‏فَلَنُوَلّيَنَّكَ‏}‏، أي فلنحولنك ولنوجهنك في الصلاة ‏{‏قِبْلَةً تَرْضَاهَا‏}‏، يعني تهواها أي تميل نفسك إليها‏.‏ فأمره الله تعالى بالتوجه فقال‏:‏ ‏{‏فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام‏}‏، يعني نحوه وتلقاءه ‏{‏وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ‏}‏ أي إلى الكعبة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ‏}‏، يعني أن القبلة إلى الكعبة هي الحق وهي قبلة إبراهيم عليه السلام‏.‏ ‏{‏وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ‏}‏، يعني جحودهم القبلة إلى الكعبة فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ائتنا بعلامة على تصديق مقالتك وهم اليهود والنصارى، فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب‏}‏ وهم اليهود والنصارى ‏{‏بِكُلّ ءايَةٍ‏}‏، أي بكل علامة ‏{‏مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ‏}‏، أي ما صلوا إلى قبلتك‏.‏ ‏{‏وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ‏}‏، أي بمصل إلى قبلتهم، ‏{‏وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ‏}‏ يقال‏:‏ معناه كيف ترجو أن يتبعوك ويصلوا إلى قبلتك وهم لا يتبعون بعضهم بعضاً‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم‏}‏ هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه أمته، يعني‏:‏ لئن صليت إلى قبلتهم أو اتبعت مذهبهم ‏{‏مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم‏}‏، أي البيان أن دين الإسلام هو الحق والكعبة هي القبلة‏.‏ ‏{‏إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين‏}‏، أي الضارين بنفسك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏146- 147‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏146‏)‏ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ‏(‏147‏)‏‏}‏

‏{‏الذين ءاتيناهم الكتاب‏}‏ ‏{‏وهم مؤمنو أهل الكتاب؛ ‏{‏يَعْرِفُونَهُ‏}‏ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته ‏{‏كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ‏}‏ بين الغلمان‏.‏ قال عبد الله بن سلام‏:‏ والله إني لأنا كنت أشد معرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم مني بابني، فقال له عمر رضي الله عنه‏:‏ وكيف ذلك يا ابن سلام‏؟‏ فقال‏:‏ لأني أشهد أنه رسول الله حقاً وصدقاً ويقيناً، وأنا لا أشهد بذلك على ابني لأني لا أدري ما أحدثت النساء بعدي؛ فقال له‏:‏ والله يا ابن سلام لقد صدقت أو أصبت‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ‏}‏، يعني طائفة من اليهود ‏{‏لَيَكْتُمُونَ الحق‏}‏ في كتابهم، ‏{‏وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ أنه نبي مرسل‏.‏ قال مقاتل‏:‏ إن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لم تطوفون بالبيت المبني بالحجارة‏؟‏ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنَّ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ حَقٌّ وَإِنَّهُ هُوَ القِبْلَةُ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ» فجحدوا ذلك فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين ءاتيناهم الكتاب‏}‏، يعني التوراة يعرفون أن البيت قبلة كما يعرفون أبناءهم؛ وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ذلك في أمر القبلة‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏الحق مِن رَّبّكَ‏}‏ يا محمد، أن الكعبة قبلة إبراهيم‏.‏ ‏{‏فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين‏}‏، أي من الشاكين‏.‏ إنهم يعرفون أنها قبلة إبراهيم، عليه الصلاة والسلام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏148‏]‏

‏{‏وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏148‏)‏‏}‏

‏{‏وَلِكُلّ وِجْهَةٌ‏}‏ ‏{‏أي قبلة‏.‏ والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد‏.‏ أي لكل ذي ملة قبلة ‏{‏هُوَ مُوَلّيهَا‏}‏، أي مستقبلها‏.‏ وقيل‏:‏ لكل دين وملة قبلة هو مولها‏.‏ قرأ ابن عامر‏:‏ «وَهُوَ مُوَلاَّهَا» والباقون بالكسر أي هو بنفسه موليها يعني الله مولاها وقال مقاتل‏:‏ لكل أهل ملة قبلة هم مستقبلوها يريدون بها وجه الله تعالى‏.‏ ‏{‏فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ‏}‏، أي قال لهذا الأمة‏:‏ استبقوا بالطاعات‏.‏ وهذا كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءاتاكم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 48‏]‏، أي جعلنا لكل قوم شريعة وسبيلاً، فإذا أخذوا بالسنة والمنهاج رضي عنهم‏.‏ فأمر الله تعالى أهل هذه الشرائع أن يستبقوا الخيرات في الأعمال الصالحة، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَيْنَمَا تَكُونُواْ‏}‏ في الأرض ‏{‏يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا‏}‏، يعني يقبض أرواحكم ويجمعكم يوم القيامة‏.‏

وقال مجاهد ‏{‏وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا‏}‏ أمر كل قوم بأن يحولوا وجوههم إلى الكعبة‏.‏ ويقال‏:‏ ولكل أمة قبلكم قبلة أمرتهم بأن يستقبلوها فاستبقوا الخيرات، يقول‏:‏ بادروا الأمم بالطاعات‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَيْنَمَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله‏}‏، يعني يقبض أرواحكم ويجمعكم يوم القيامة‏.‏ ‏{‏إِنَّ الله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏، أي هو قادر على جمعكم يوم القيامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏149- 150‏]‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏149‏)‏ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏150‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ‏}‏ بالصلاة ‏{‏شَطْرَ المسجد الحرام‏}‏ أي نحوه وتلقاءه‏.‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ‏}‏، يعني التوجه إلى الكعبة بالصلاة هو الحق من ربك، ‏{‏وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏، أي يجازيكم بأعمالكم، ‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام * مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ‏}‏، أي لكي لا يكون لليهود ‏{‏عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ‏}‏، لأنهم يعلمون أن الكعبة هي القبلة فلا حجة لهم عليكم، ‏{‏إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ‏}‏، أي إلا من ظلم باحتجاجه فيما وضح له كما يقول الرجل لصاحبه‏:‏ مالك على الحجة إلا أن تظلمني‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ‏}‏، يعني ولا الذين ظلموا لا حجة لهم عليكم‏.‏ وذكر عن أبي عبيدة أنه قال‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ‏}‏ أي ولا الذين ظلموا فهذا موضع واو العطف، فكأنه قال‏:‏ ليس للناس عليكم حجة ولا الذين ظلموا منهم، أي لا حجة لهم عليكم‏.‏

‏{‏فَلاَ تَخْشَوْهُمْ‏}‏، أي بانصرافكم إلى الكعبة، ‏{‏واخشونى‏}‏ في تركها‏.‏ قرأ نافع في رواية ورش‏:‏ ‏{‏لَيْلاً‏}‏ بغير همز‏.‏ والباقون‏:‏ ‏{‏لّئَلاَّ‏}‏ بالهمز لأن أصله ‏(‏لأن لا‏)‏، وإنما أسقط نافع الهمزة للتخفيف‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ‏}‏ بتحويل القبلة وبإرسال الرسول، ‏{‏وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏ أي لكي تهتدوا من الضلالة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏151‏]‏

‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ‏(‏151‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ‏}‏، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءاياتنا‏}‏ أي القرآن وقوله‏:‏ ‏{‏مّنكُمْ‏}‏ أي من العرب‏.‏ ويقال‏:‏ آدمي مثلكم لأنه لو كان من الملائكة لا يستطيعون النظر إليه، فأرسل آدمياً مثلكم يتلو عليكم القرآن ‏{‏وَيُزَكِيكُمْ‏}‏‏.‏ قال الكلبي‏:‏ ويصلحكم بالزكاة‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ يطهركم من الشرك والكفر‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ خاطب به العرب أنه بعث رسولاً منكم، وأنتم كنتم أهل الجاهلية لا تعلمون الكتاب والحكمة، فكما أنعمت عليكم بالرسالة فاذكروني بالتوحيد‏.‏ ويقال قوله‏:‏ كما وصل بما قبله ومعناه‏:‏ ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم‏.‏ ويقال‏:‏ وصل بما بعده، ومعناه‏:‏ ‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آياتنا وَيُزَكِيكُمْ‏}‏‏.‏ ‏{‏وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب والحكمة وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ‏}‏ فاعرفوا هذه النعمة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏152‏]‏

‏{‏فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ‏(‏152‏)‏‏}‏

‏{‏فاذكرونى‏}‏ بالتوحيد ‏{‏أَذْكُرْكُمْ‏}‏ يقول‏:‏ اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة، فحق على الله أن يذكر من ذكره، فمن ذكره في طاعته، ذكره الله تعالى بخير ومن ذكر الله من أهل المعصية في معصية ذكره الله باللعنة وسوء الدار‏.‏ ويقال‏:‏ اذكروني في الرخاء، أذكركم عند البلاء‏.‏ ويقال‏:‏ اذكروني في الضيق أذكركم بالمخرج‏.‏ ويقال‏:‏ اذكروني في الخلاء، أذكركم في الملأ‏.‏ ويقال‏:‏ اذكروني في ملأ من الناس، أذكركم في ملأ من الملائكة‏.‏ قال الفقيه‏:‏ حدثنا محمد بن الفضل قال‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن يوسف قال‏:‏ حدثنا محمد بن الفضيل الضبي، عن الحصين، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ ما اجتمع قوم يذكرون الله تعالى، إلا ذكرهم الله في ملأ أعز منهم وأكرم، وما تفرق قوم من مجلس لا يذكرون الله في مجلسهم، إلا كانت حسرة عليهم يوم القيامة‏.‏ ويقال‏:‏ اذكروني بالشكر، أذكركم بالزيادة‏.‏ ويقال‏:‏ اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة ويقال‏:‏ اذكروني في الدنيا بالإخلاص أذكركم في الآخرة بالخلاص‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ‏}‏ يعني اشكروا نعمتي التي أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا، ولا تجحدوا هذه النعمة‏.‏ ويقال‏:‏ النعمة في الحقيقة هي العلم وما سوى ذلك، فهو تحويل من راحة إلى راحة وليس الطّعام بنعمة، لأن الطعام إذا أكله الإنسان فبعد ساعة يطلب منه الفرج، والثوب الحسن ربما يمل منه إذا كان يؤذيه الحر أو البرد؛ والعلم لا يمل منه صاحبه، بل ربما يطلب له الزيادة‏.‏ فأمر الله تعالى بشكر هذه النعمة التي بعث رسولاً ليعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏153- 154‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏153‏)‏ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ‏(‏154‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ‏}‏، يعني صدقوا بتوحيد الله تعالى‏.‏ وهذا نداء المدح، وقد ذكرنا قبل هذا أن النداء على ست مراتب‏.‏ وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال‏:‏ إذا سمعت الله يقول‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ فَارْعَ له بسمعك فإنه أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه‏.‏

‏{‏استعينوا بالصبر والصلاة‏}‏ على أداء الفرائض وبالصلاة خاصة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ استعينوا بالصبر على ما أنتم عليه وإن أصابكم مكروه‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ استعينوا بالصبر أي بالصوم والصلاة‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ استعينوا بالصبر على صوم شهر رمضان وعلى الصلوات الخمس‏.‏ ويقال‏:‏ الصبر هو الصبر بعينه‏.‏ ذكر في هذه الآية الطاعة الظاهرة والطاعة الباطنة، فأمر بالصبر والصلاة، لأنه ليس شيء من الطاعة الظاهرة أشد من الصلاة على البدن، لأنه يجتمع فيها أنواع الطاعات‏:‏ الخضوع والإقبال والسكون والتسبيح والقراءة؛ فإذا تيسر عليه الصلاة تيسر عليه ما سوى ذلك‏.‏ وليس شيء من الطاعات الباطنة أشد من الصبر على البدن، فأمر الله بالصبر والصلاة لأنه حسن‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله مَعَ الصابرين‏}‏، فالله تعالى مع كل أحد، ولكن خصّ الصابرين لكي يعلموا أن الله سبحانه وتعالى يفرج عنهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ‏}‏‏.‏ قال الضحاك‏:‏ هم النفر الذين قتلوا عند بئر معونة‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ هم الذين قتلوا ببدر إذ قتل من المسلمين يومئذٍ أربعة عشر رجلاً ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين وكان الناس يقولون‏:‏ مات فلان ومات فلان، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء‏}‏ لأنهم في الحكم كالأحياء، لأنه يجري ثوابهم إلى يوم القيامة، ولأنهم يسرحون في الجنة حيث شاؤوا‏.‏ كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 169‏]‏ ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 154‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏155- 157‏]‏

‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ‏(‏155‏)‏ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ‏(‏156‏)‏ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ‏(‏157‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُم‏}‏ ‏{‏يعني المؤمنين ‏{‏بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع‏}‏‏.‏ يقول‏:‏ لنختبرنكم بخوف العدو، وهو الخوف الذي أصابهم يوم الخندق، حتى بلغت القلوب الحناجر؛ والجوع وهو القحط الذي أصابهم، فكان يمضي على أحدهم أياماً لا يجد طعاماً‏.‏ ‏{‏وَنَقْصٍ مّنَ الاموال‏}‏، يعني ذهاب أموالهم، ويقال موت الماشية‏.‏ ‏{‏والانفس‏}‏، يعني الموت والقتل والأمراض‏.‏ ‏{‏والثمرات‏}‏ نقصان الثمرات، فلا تخرج الثمرات كما كانت تخرج أو تصيبها الآفة‏.‏ ويقال‏:‏ موت الثمرات هو موت الولد وهو ثمرة القلب‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَبَشّرِ الصابرين‏}‏، يعني الذين يصبرون على هذه المصائب والشدائد التي ذكرنا‏.‏

ثم وصفهم فقال تعالى‏:‏ ‏{‏الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ‏}‏ صبروا ولم يجزعوا، و‏{‏قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون‏}‏، يعني يقولون‏:‏ نحن عبيد الله وفي ملكه إن عشنا فعليه أرزاقنا، وإن متنا فإليه مردنا وإليه راجعون بعد الموت، ونحن راضون بحكمه‏.‏ ‏{‏أولئك‏}‏، يعني أهل هذه الصفة ‏{‏عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ‏}‏‏.‏ والصلاة من الله تعالى على ثلاثة أشياء‏:‏ توفيق الطاعة والعصمة عن المعصية ومغفرة الذنوب جميعاً، فبالصلاة الواحدة تتكون لهم هذه الأشياء الثلاثة، فقد وعد لهم الصلوات الكثيرة، ومقدار ذلك لا يعلمه إلا الله‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ المهتدون‏}‏، أي الموفقون للاسترجاع‏.‏ وروي عن سعيد بن جبير أنه قال‏:‏ لم يكن الاسترجاع إلا لهذه الأمة، ألا ترى أن يعقوب عليه السلام قال‏:‏ ‏{‏وتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياأسفا عَلَى يُوسُفَ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن فَهُوَ كَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 84‏]‏ فلو كان له الاسترجاع، لقال ذلك؛ وروي عن عثمان بن عطاء، عن أبيه أنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مَنْ ذَكَرَ مُصِيبَةً أَوْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ فَاسْتَرْجَعَ، جَدَّدَ الله ثَوَابَهُ كَيَوْمِ أُصِيبَ بِهَا» وعن عطاء بن أبي رباح قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَلْيَتَذَكَّرْ مُصِيبَتَهُ فِيَّ، فَإِنَّهَا مِنْ أعْظَمِ المَصَائِبِ» وروي هذان الحديثان، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً‏.‏ وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال‏:‏ نعم العدلان ونعم العلاوة؛ فالعدلان قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ‏}‏، والعلاوة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ المهتدون‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏158‏]‏

‏{‏إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ‏(‏158‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَائِرِ الله‏}‏، قال أهل اللغة‏:‏ الصفا الحجارة الصلبة التي لا تنبت بها شيء‏.‏ والواحدة‏:‏ صفاة‏.‏ يقال‏:‏ حصى وحصاة‏.‏ والمروة‏:‏ الحجارة اللينة‏.‏ والشعائر‏:‏ علامة متعبداته‏.‏ واحدها شعيرة‏.‏ يعني أن الطواف بالصفا والمروة من أمور المناسك، ‏{‏فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا‏}‏‏.‏ روي عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ‏:‏ ‏{‏فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا‏}‏‏.‏ وروي عن ابن عباس، وأنس بن مالك أنهما كانا يقرآن كذلك‏.‏ ومعنى ذلك، أن من حج البيت أو اعتمر فترك السعي، لا يفسد حجه ولا عمرته، ولكن يجب عليه جبر النقصان وهو إراقة الدم، وفي مصحف الإمام ‏{‏فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا‏}‏ بحذف كلمة ‏(‏لا‏)‏‏.‏ وذلك أن أهل الجاهلية كان لهم صنمان على الصفا والمروة‏:‏ أحدهما يقال له ‏(‏اساف‏)‏ والآخر ‏(‏نائلة‏)‏، وكان المشركون يطوفون بين الصفا والمروة ويستلمون الصنمين‏.‏ فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة القضاء، كان الأنصار لا يسعون فيما بين الصفا والمروة ويقولون‏:‏ السعي فيما بينهما من أمر المشركين فنزلت هذه الآية‏.‏ ويقال‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، طاف بالبيت والمسلمون معه، فلما سعى بين الصفا والمروة، رفع المسلمون أزرهم، وشمروا قمصهم كيلا يصيب ثيابهم ذينك الصنمين، فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَائِرِ الله‏}‏ يعني من أمور المناسك‏.‏ ‏{‏فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا‏}‏، يعني لو أصاب ثيابه من ذلك لا يضره ولا إثم عليه؛ فخرج عمر فتناول المعول وكسر الصنمين‏.‏

قال الفقيه‏:‏ حدثنا الفقيه أبو جعفر قال‏:‏ حدثنا علي بن أحمد قال‏:‏ حدثنا محمد بن الفضل، عن يعلى بن منبه، عن صالح بن حيان، عن أبي بريدة، عن أبيه قال‏:‏ دخل جبريل عليه السلام المسجد، فبصر بالنبي صلى الله عليه وسلم نائماً في ظل الكعبة فأيقظه فقام وهو ينفض رأسه ولحيته من التراب، فانطلق به نحو باب بني شيبة فلقيهما ميكائيل‏.‏ فقال جبريل لميكائيل‏:‏ ما يمنعك أن تصافح النبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال‏:‏ أجد من يده ريح نحاس‏.‏ فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم أفعلت ذلك‏؟‏ وكان النبي صلى الله عليه وسلم نسي ذلك ثم ذكر فقال‏:‏ «صَدَقَ أَخِي، مَرَرْتُ أوَلَ أَمْسٍ عَلَى إِساف وَنَائِلَةَ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى أَحَدِهِما وَقُلْتُ‏:‏ إنَّ قَوْماً رَضُوا بِكُمَا آلِهَةً مَعَ الله هُمْ قَوْمُ سُوءٍ»

قال صالح‏:‏ قلت لأبي بريدة‏:‏ وما أساف ونائلة‏؟‏ قال‏:‏ كانا إنسانين من قريش يطوفان بالكعبة، فوجدا فيها خلوة فراود أحدهما صاحبه، فمسخهما الله تعالى نحاساً، فجاءت بهما قريش وقالوا‏:‏ لولا أن الله رضي بأن نعبد هذين الإنسانين ما مسخهما نحاساً‏.‏

وأساف كان رجلاً ونائلة كانت امرأة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الجناح في اللغة‏:‏ أخذ من جنح إذا مال وعدل عن المقصد‏.‏ وأصل ذلك من جناح الطير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا‏}‏‏.‏ قرأ حمزة والكسائي ‏{‏يَطَوَّعْ‏}‏ بالياء وجزم العين، لأن الأصل يتطوع فأدغمت التاء في الطاء وشددت‏.‏ وقرأ الباقون ‏{‏وَمَن تَطَوَّعَ‏}‏ على معنى الماضي والمراد به الاستقبال، يعني إذا زاد في الطواف حول البيت على ما هو واجب عليه، ‏{‏فَإِنَّ الله شَاكِرٌ‏}‏ يقبل منهم، ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ بنياتهم وبما نووا وقال القتبي‏:‏ يطوف أصله يتطوف فأدغمت التاء في الطاء‏.‏ ويقال‏:‏ الجناح‏:‏ الإثم‏.‏ ويقال إن الله شاكر عليم يقبل اليسير ويعطي الجزيل ويقال‏:‏ إن الله شاكر بقبول أعمالكم عليم بالثواب‏.‏ ويقال‏:‏ الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، لأنهم يقدرون على الصلاة إذا رجعوا إلى منازلهم، ولا يمكنهم الطواف إلا في ذلك الوقت، فالله تعالى قد حثّ على الطواف بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏159- 160‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ‏(‏159‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏160‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات‏}‏ نزلت في شأن رؤساء اليهود، منهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وابن صوريا، يقول‏:‏ يكتمون ما أنزلنا في التوراة من البينات‏:‏ الحلال والحرام وآية الرجم‏.‏ ‏{‏والهدى‏}‏، يعني أمر محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ فِي الكتاب‏}‏، أي في التوراة‏.‏ ويقال‏:‏ في القرآن ‏{‏أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون‏}‏، أي يخذلهم الله ويلعنهم اللاعنون قال ابن عباس‏:‏ وذلك أن الكافر إذا وضع في قبره، سئل من ربك وما دينك‏؟‏ فيقول‏:‏ لا أدري‏.‏ فيقال له‏:‏ ما دريت فهكذا كنت في الدنيا، ثم يضربه ضربة يصيح منها صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، فلا يسمع صوته شيء إلا يلعنه‏.‏ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون‏}‏ وروي عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ إذا تلاعن اثنان، فإن كان أحدهما مستحقاً للعنة رجعت اللعنة إليه، وإن لم يكن يستحق أحدهما اللعنة ارتفعت اللعنة إلى السماء، فلم تجد هناك موضعاً فتنحدر فترجع إلى الذي تكلم بها إن كان أهلاً لذلك؛ وإن لم يكن أهلاً لذلك رجعت إلى الكفار، وفي بعض الروايات إلى اليهود‏.‏ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون‏}‏‏.‏

ثم استثنى التائبين من اللعنة، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين تَابُواْ‏}‏ من الكفر واليهودية ‏{‏وَأَصْلَحُواْ‏}‏ أعمالهم فيما بينهم وبين ربهم‏.‏ ويقال‏:‏ معناه وأصلحوا لمن أفسد من السفلة، وبينوا صفته في كتبهم‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ‏}‏، أي أتجاوز عنهم‏.‏ ‏{‏وَأَنَا التواب الرحيم‏}‏ المتجاوز لمن تاب ورجع فتقبل توبته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏161- 162‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏(‏161‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ‏(‏162‏)‏‏}‏

‏{‏إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ‏}‏، أي ثبتوا على كفرهم حتى ماتوا على ذلك‏.‏ ‏{‏أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملئكة والناس أَجْمَعِينَ‏}‏‏.‏ قال الكلبي‏:‏ يعني لعنة المؤمنين خاصة‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ يلعنهم لعنة جميع الناس، لأن من يخالف دينهم يلعنهم في الدنيا، وأهل دينهم يلعنونهم في الآخرة، كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم مِّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الحياة الدنيا ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن ناصرين‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 25‏]‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏خالدين فِيهَا‏}‏، أي في اللعنة‏.‏ ولعنته‏:‏ عذاب النار أي ما توجبه اللعنة‏.‏ ‏{‏لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب‏}‏، يعني لا يهون عليهم طرفة عين‏.‏ ‏{‏وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ‏}‏، يعني لا يؤجلون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏163- 163‏]‏

‏{‏وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ‏(‏163‏)‏‏}‏

‏{‏وإلهكم إله واحد‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني ربكم رب واحد‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ كان لمشركي العرب ثلاثمائة وستون صنماً يعبدونها من دون الله تعالى، فدعاهم الله إلى التوحيد والإخلاص لعبادته فقال‏:‏ ‏{‏وإلهكم إله واحد‏}‏‏.‏ ويقال‏:‏ نزلت هذه الآية في صنف من المجوس يقال لهم‏:‏ المانوية فكان رئيسهم يقال له‏:‏ ماني، فقال لهم أرى الأشياء زوجين وضدين، مثل الليل والنهار والنور والظلمة والحر والبرد والخير والشر والسرور والحزن والذي يصلح للشيء لا يصلح لضده، فمن كان خالق النور والخيرات لا يكون خالق الشر والظلمات؛ فهما اثنان‏:‏ أحدهما يخلق الشر والآخر يخلق الخير، فنزلت هذه الآية ‏{‏وإلهكم إله واحد‏}‏، أي خالقكم خالق واحد هو خالق الأشياء كلها‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ إله إِلاَّ هُوَ الرحمن الرحيم‏}‏، قال بعض الناس‏:‏ هذا الكلام نصفه كفر، وهو قوله‏:‏ لاَ إله، ونصفه إيمان وهو قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ هُوَ‏}‏‏.‏ ولكن هذا الكلام ليس بسديد، لأن الله تعالى أمر رسوله بأن يأمرهم حتى يقولوا‏:‏ لا إله إلا الله، فلا يجوز أن يأمرهم بالكفر‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ النصف الأول منسوخ والنصف الثاني ناسخ‏.‏ وهذا أيضاً لا يصح، لأن المنسوخ هو الذي كان مباحاً قبل النسخ والكفر لم يكن مباحاً أبداً‏.‏ وأحسن ما قيل فيه‏:‏ إن قوله‏:‏ ‏{‏لا إله‏}‏ نفي معبود الكفار، وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ هُوَ‏}‏ إثبات معبود المؤمنين‏.‏ أو نقول‏:‏ ‏{‏لا إله‏}‏ نفي الألوهية عمن لا يستحق الألوهية، وقوله ‏{‏إِلاَّ الله‏}‏ إثبات الألوهية لمن يستحق الألوهية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏164- 164‏]‏

‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏(‏164‏)‏‏}‏

لما نزلت هذه الآية، أنكر المشركون توحيد الله تعالى، وطلبوا منه دليلاً على إثبات وحدانيته؛ فنزلت هذه الآية ‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والارض‏}‏، يعني في خلق السموات والأرض دليل على وحدانية الله في أنه خلقها بغير عمد ترونها وزينها بمصابيح، والأرض بسطها أيضاً وجعل لها أوتاداً وهي الجبال وفجر فيها الأنهار وجعل فيها البحار‏.‏ ‏{‏واختلاف اليل والنهار‏}‏، يعني في مجيء الليل وذهاب النهار، ومجيء النهار وذهاب الليل‏.‏ ويقال‏:‏ اختلافهما في الكون‏.‏ ويقال‏:‏ نقصان الليل وتمام النهار، ونقصان النهار وتمام الليل‏.‏ ‏{‏والفلك التى تَجْرِى فِى البحر‏}‏‏.‏ يعني السفن‏.‏ ويقال للسفينة الواحدة‏:‏ الفلك ولجماعة السفن‏:‏ الفلك‏.‏ يعني السفن التي تسير في البحر، فتقبل مرة وتدبر مرة بريح واحدة فتسير في البحر ‏{‏بِمَا يَنفَعُ الناس‏}‏ من الكسب والتجارة وغير ذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء مِن مَّاء‏}‏، يعني المطر الذي ينزل من السماء، ‏{‏فَأَحْيَا بِهِ الارض بَعْدَ مَوْتِهَا‏}‏ أي اخضرت الأرض بعد يبسها ‏{‏وَبَثَّ فِيهَا‏}‏، يقول‏:‏ خلق في الأرض ‏{‏مِن كُلّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرياح‏}‏؛ قرأ حمزة والكسائي‏:‏ ‏{‏الريح‏}‏ بغير ألف والباقون‏:‏ ‏{‏الرياح‏}‏ بالألف‏.‏ واختار أبو عبيدة في قراءته‏:‏ أن كل ما في القرآن من ذكر العذاب الريح بغير ألف، وكل ما في القرآن من ذكر الرحمة‏:‏ الرياح بالألف، واحتج بما روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا هاجت الريح قال‏:‏ «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحاً وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيحاً» ومعنى قوله تعالى ‏{‏وَتَصْرِيفِ الرياح‏}‏ أي هبوب الريح مرة جنوباً ومرة شمالاً ومرة صباً ومرة دبوراً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسحاب المسخر‏}‏، أي المذلل والمطوع، ‏{‏بَيْنَ السماء والارض لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏، أي في هذه الأشياء التي ذكر في هذه الآية، آيات لوحدانيته لمن كان له عقل وتمييز‏.‏ ويقال‏:‏ هذه الآية تجمع أصول التوحيد، وقد بيّن فيها دلائل وحدانيته، لأن الأمر لو كان بتدبير اثنين مختلفين في التدبير، لفسد الأمر باختلافهما‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا فسبحان الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 22‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏165- 167‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ‏(‏165‏)‏ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ‏(‏166‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ‏(‏167‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا‏}‏، يعني بعض الناس وصفوا لله شركاء وأعدالاً وهي الأوثان‏.‏ ‏{‏يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله‏}‏، قال بعضهم‏:‏ معناه يحبون الأوثان كحبهم لله تعالى، لأنهم كانوا يقرون بالله تعالى‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ معناه، يحبون الأوثان كحب المؤمنين لله تعالى ‏{‏والذين ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ‏}‏، لأن الكفار يعبدون أوثانهم في حال الرخاء، فإذا أصابتهم شدة تركوا عبادتها؛ والمؤمنون يعبدون الله تعالى في حال الرخاء والشدة، فهذا معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ‏}‏‏.‏ فإن قيل‏:‏ إذا كان المؤمنون أشد حباً لله فما معنى قوله‏:‏ ‏{‏يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله‏}‏‏؟‏ قيل له‏:‏ يحتمل أن بعض المؤمنين حبهم مثل حبهم وبعضهم أشد حباً، وفي أول الآية ذكر بعض المؤمنين، وفي آخر الآية ذكر المؤمنين الذين هم أشد حباً لله‏.‏ والحب لله أن يطيعوه في أمره وينتهوا عن نهيه، فكل من كان أطوع لله فهو أشد حباً له‏.‏ كما قال القائل‏:‏

لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَاِدقاً لأَطَعْتَه *** إِنَّ المُحْبَّ لِمَنْ يُحْبُّ مُطِيعُ

ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ‏}‏ يا محمد‏.‏ ‏{‏إِذْ يَرَوْنَ العذاب‏}‏، يعني حين يرون العذاب‏.‏ ‏{‏أَنَّ القوة لِلَّهِ جَمِيعًا‏}‏، وفي الآية مضمر ومعناه‏:‏ يا محمد لو رأيت الذين ظلموا في العذاب، لرأيت أمراً عظيماً؛ كما تقول‏:‏ لو رأيت فلاناً تحت السياط فيستغني عن الجواب، لأن معناه مفهوم‏.‏ فكذلك هاهنا لم يذكر الجواب، لأن المعنى معلوم‏.‏ قرأ نافع وابن عامر‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى‏}‏ بالتاء على معنى المخاطب للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالياء؛ ومعناه ولو يرى عبدة الأوثان اليوم ما يرون يوم القيامة، أن الأوثان لا تنفعهم شيئاً وأن القوة لله جميعاً، تركوا عبادتها‏.‏ وقرأ ابن عامر ‏{‏إِذْ يَرَوْنَ العذاب‏}‏ بضم الياء على معنى فعل ما لم يسم فاعله؛ وقرأ الباقون بنصب الياء على معنى الخبر عنهم‏.‏ وقرأ الحسن وقتادة‏:‏ ‏{‏أَنَّ القوة لِلَّهِ جَمِيعًا‏}‏ على معنى الابتداء، وقرأ العامة ‏{‏أَنَّ القوة لِلَّهِ‏}‏ بالنصب على معنى البناء، يعني بأن القوة لله جميعاً ‏{‏وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب‏}‏، يعني للرؤساء والاتباع من أهل الأوثان‏.‏

‏{‏إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا‏}‏، يعني القادة ‏{‏مِنَ الذين اتبعوا‏}‏ وهم السفلة ‏{‏وَرَأَوُاْ العذاب‏}‏، يقال حين يروا العذاب ‏{‏وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الاسباب‏}‏، أي العهود والحلف التي كانت بينهم في الدنيا‏.‏ وقال القتبي‏:‏ الأسباب يعني الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا‏.‏ وقال بعضهم ‏{‏وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الاسباب‏}‏، أي الخلة والمواصلة، كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏الاخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 67‏]‏؛ ويقال‏:‏ الأرحام والمودة التي كانوا يتواصلون بها فيما بينهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين اتبعوا‏}‏، أي السفلة‏:‏ ‏{‏لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً‏}‏، أي رجعة إلى الدنيا؛ وذلك أن الرؤساء لما تبرؤوا منهم ولا ينفعونهم شيئاً، ندمت السفلة على اتباعهم في الدنيا ويقولون في أنفسهم‏:‏ لو أن لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا ‏{‏فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ‏}‏، أي من القادة ‏{‏كَمَا * تَنقِمُ مِنَّا‏}‏ القادة‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات عَلَيْهِمْ‏}‏ لأنهم يرون أعمالهم غير مقبولة، لأنها كانت لغير وجه الله تعالى فيكون ذلك حسرة عليهم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار‏}‏، يعني التابع والمتبوع والعابد والمعبود‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏168- 169‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏168‏)‏ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏169‏)‏‏}‏

‏{‏النار يأَيُّهَا الناس كُلُواْ مِمَّا فِى الارض حلالا طَيّباً‏}‏، وذلك أن قوماً من العرب مثل بني عامر وبني مدلج وخزاعة وغيرهم، حرموا على أنفسهم أشياء مما أحل الله من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة وغير ذلك، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال‏:‏ ‏{‏النار يأَيُّهَا الناس كُلُواْ مِمَّا فِى الارض حلالا طَيّباً‏}‏ من الحرث والأنعام، وحلالاً نصب على الحال‏.‏ ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان‏}‏، يعني طاعات الشيطان‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ يعني تزيين الشيطان‏.‏ ويقال‏:‏ وساوس الشيطان‏.‏ وقال القتبي‏:‏ الخطوات جمع الخطوة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ خطواته أي طرقه، ومعناه‏:‏ لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان ‏{‏إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏}‏، أي ظاهر العداوة‏.‏

‏{‏إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء والفحشاء‏}‏، يعني بالإثم والقبيح من العمل‏.‏ ويقال‏:‏ السوء الذي يجب به الحبس والحساب، والفحشاء‏:‏ التي يستوجب بها العقوبة في النار‏.‏ ويقال‏:‏ السوء الذي يجب به التعزير في الدنيا، والفحشاء التي يجب بها الحد‏.‏ ‏{‏وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏، يعني أن الشيطان يأمركم بأن تكذبوا على الله، لأنهم كانوا يقولون هذه الأشياء حرم الله علينا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏170- 170‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ‏(‏170‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله‏}‏، أي اعملوا بما أنزل الله في القرآن من تحليل ما أحل الله وتحريم ما حرم الله‏.‏ ‏{‏قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا‏}‏، يعني ما وجدنا عليه آباءنا‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ‏}‏، معناه أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالاً فيتابعوهم بغير حجة‏؟‏ فكأنه نهاهم عن التقليد وأمرهم بالتمسك بالحجة‏.‏ وهذه الواو مفتوحة وهي واو‏:‏ أَوَلَو لأنها واو العطف أدخلت عليها ألف التوبيخ وهي ألف الاستفهام‏.‏

قرأ أبو عمرو ومن تابعه من أهل البصرة‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كذلك يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 167‏]‏ بكسر الهاء والميم، وكذلك في كل موضع تكون الهاء والميم بعدهما ألف ولام‏.‏ مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ اهبطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 61‏]‏ ‏{‏ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الامل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 3‏]‏‏.‏ وكان عاصم وابن عامر ونافع يقرؤون بكسر الهاء وضم الميم‏.‏ وكان حمزة والكسائي يقرآن‏:‏ بضم الهاء والميم‏.‏ وكان ابن كثير يقرأ‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏}‏ بضم الميم، وكذلك ‏{‏إِنَّمَا يَأْمُرُكُم‏}‏؛ وكذلك كل ميم نحو هذا مثل‏:‏ ‏{‏صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضآلين‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 7‏]‏، ‏{‏خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غشاوة وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 7‏]‏‏.‏ وكان نافع في رواية ورش عنه يقرأ‏:‏ سكون الميم، إلا أن يستقبله ألف أصلية فيضم الميم مثل قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 6‏]‏ ‏{‏وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ليعلموا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يتنازعون بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُواْ ابنوا عَلَيْهِمْ بنيانا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 21‏]‏، ‏{‏وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 14‏]‏‏.‏ وكان حمزة والكسائي يقرؤون بسكون الميم، إلا أن يستقبله ألف ولام مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ اهبطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 61‏]‏‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏{‏ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِى الارض حلالا طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 168 وغيرها‏]‏ كان نافع وأبو عمرو وحمزة وعصام في رواية أبي بكر يقرؤون ‏{‏خطوات‏}‏ بجزم الطاء‏.‏ وقرأ الكسائي وابن كثير وعاصم في رواية حفص‏:‏ ‏{‏خطوات‏}‏ بضم الطاء؛ وهما لغتان ومعناهما واحد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏171- 171‏]‏

‏{‏وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏171‏)‏‏}‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذى يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء‏}‏‏.‏ فهذا مثل ضربه الله تعالى لأهل الكفر، إنهم مثل البهائم لا يعقلون شيئاً سوى ما يسمعون من النداء‏.‏ وفي الآية إضمار ومعناه‏:‏ مثلك يا محمد مع الكفار، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً‏.‏ وهذا قول الزجاج‏.‏ وقال القتبي‏:‏ قال الفراء‏:‏ ومثل واعظ الذين كفروا فحذف ذكر الواعظ‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لصادقون‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 82‏]‏‏.‏ وقال القتبي أيضاً‏:‏ ‏{‏مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ‏}‏، يعني ومثلنا في وعظهم، فحذف اختصاراً إذ كان في الكلام ما يدل عليه، ‏{‏كَمَثَلِ الذى يَنْعِقُ‏}‏، يعني الراعي إذا صاح في الغنم لا يسمع إلا دعاءً ونداءً فحسب، ولا تفهم قولاً ولا تحسن جواباً، فكذلك الكافر لا يعقل المواعظ‏.‏ ‏{‏صُمٌّ‏}‏ عن الخبر فهم لا يسمعون ‏{‏بِكُمْ‏}‏، أي خرس لا يتكلمون بالحق ‏{‏عَمِىَ‏}‏ لا يبصرون الهدى‏.‏ ويقال‏:‏ كأنّهم صم، لأنهم يتصاممون عن سماع الحق‏.‏ ‏{‏فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏ الهدى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏172- 173‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ‏(‏172‏)‏ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏173‏)‏‏}‏

‏{‏يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم‏}‏، يعني من الحلال من الحرث والأنعام‏.‏ ‏{‏واشكروا للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏، يعني إن كنتم تريدون بترك أكله رضاء الله تعالى فكلوه، فإن رضي الله تعالى أن تحلوا حلاله وتحرموا حرامه‏.‏ ويقال‏:‏ إن محرِّم ما أحل الله مثل محل ما حرم الله‏.‏ ويقال‏:‏ في هذه الآية بيان فضل هذه الأمة، لأنه تعالى خاطبهم بما خاطب به أنبياءه عليهم الصلاة والسلام لأنه قال لأنبيائه‏:‏ ‏{‏ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 51‏]‏، وقال لهذه الأمة ‏{‏كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم‏}‏ وقال في أول الآية‏:‏ ‏{‏ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِى الارض حلالا طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 168‏]‏‏.‏ فلما أمر الله تعالى بأكل هذه الأشياء التي كانوا يحرمونها على أنفسهم‏.‏ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن لم يكن هذه الأشياء محرمة فالمحرمات ما هي‏؟‏ فبيّن الله تعالى المحرمات، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير‏}‏‏.‏ والميتة سوى السمك والجراد، والدم يعني الدم المسفوح أي الجاري‏.‏ كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏قُل لاَ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 145‏]‏، يعني حرم عليكم، ولحم الخنزير فذكر اللحم خاصة والمراد به اللحم والشحم وجميع أجزائه‏.‏ وهذا شيء قد أجمع المسلمون على تحريمه فقد ذكر الميتة وإنما انصرف إلى بعض منها وأحل البعض منها وهو السمك والجراد؛ وذكر الدم وإنما المراد به بعض الدم، لأنه لم يدخل فيه الكبد والطحال؛ وذكر لحم الخنزير فانصرف النهي إلى اللحم وغيره‏.‏ ‏{‏وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله‏}‏، يعني ما ذبح بغير اسم الله تعالى‏.‏ والإهلال في اللغة‏:‏ هو رفع الصوت‏.‏ وكان أهل الجاهلية إذا ذبحوا، رفعوا الصوت بذكر آلهتهم؛ فحرم الله تعالى على المؤمنين أكل ما ذبح لغير اسم الله تعالى‏.‏ وفي الآية دليل‏:‏ أنه إذا ترك التسمية عمداً لا يؤكل، لأنه قد ذبح بغير اسم الله تعالى‏.‏

ثم إن الله تعالى علم أن بعض الناس يبتلون بأكل الميتة عند الضرورة، فرخص لهم في ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اضطر‏}‏‏.‏ قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اضطر‏}‏ بكسر النون وقرأ الباقون بالضم؛ وهما لغتان ومعناهما واحد‏.‏ يقول‏:‏ فمن أجهد إلى شيء مما حرم الله إلى أكل الميتة ‏{‏غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏}‏، يعني غير مفارق الجماعة ولا عاد على المسلمين بالسيف؛ فمن خرج لقطع الطريق، أو خرج على إمام المسلمين فلا رخصة له عند بعضهم‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ من خرج في معصية فلا رخصة له‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ كل من اضطر إلى أكل الميتة رخص له أن يأكل سواء أخرج للمعصية أو غيرها‏.‏ وهذا قول أصحابنا‏.‏ ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏غَيْرَ بَاغٍ‏}‏، أي غير طالب للحرام ولا راض بأكله‏.‏ ‏{‏وَلاَ عَادٍ‏}‏، يعني لا يعود إلى أكله بعد أكل مقدار ما يسد به الرمق‏.‏

وروي عن ابن عباس نحو هذا‏.‏ قال‏:‏ حدثنا محمد بن سعيد الترمذي قال‏:‏ حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال‏:‏ حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ‏}‏ قال‏:‏ من أكل شيئاً من هذه الأشياء وهو مضطر، فلا حرج عليه؛ ومن أكله وهو غير مضطر، فقد بغى واعتدى‏.‏

ثم اختلفوا في حد الاضطرار الذي يحل له أكل الميتة‏.‏ قال بعضهم‏:‏ إذا كان بحال يخاف على نفسه التلف وهو قول الشافعي‏.‏ وروي عن ابن المبارك أنه قال‏:‏ إذا كان بحال لو دخل السوق لا ينظر إلى شيء سوى الخبز‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إذا كان بحال يضعفه عن أداء الفرائض‏.‏

وقد اختلفوا أيضاً في أكله‏:‏ قال بعضهم‏:‏ أكله حرام إلا أنه لا إثم عليه، ألا ترى أنه قال في سياق الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هو حلال ولا يسعه تركه، لأنه قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 119‏]‏، فلما استثني منه ثبت أنه حلال‏.‏ وروي عن مسروق أنه قال‏:‏ من اضطر إلى ميتة فلم يأكل حتى مات، دخل النار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏174- 176‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏174‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ‏(‏175‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ‏(‏176‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب‏}‏، نزلت في رؤساء اليهود كانوا يرجون أن يكون النبي عليه السلام منهم، فلما كان من غيرهم خشوا بأن تذهب منافعهم من السفلة، فعمدوا إلى صفة النبي صلى الله عليه وسلم فغيّروها‏.‏ ويقال‏:‏ غيروا تأويلها فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب‏}‏، يعني في التوراة بكتمان صفة النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا‏}‏، يعني يختارون به عرضاً يسيراً من منافع الدنيا‏.‏ ‏{‏أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار‏}‏، يعني يأكلون الحرام‏.‏ وإنما سمي الحرام ناراً، لأنه يستوجب به النار، كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 10‏]‏‏.‏

‏{‏وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة‏}‏، أي لا يكلمهم بكلام الخير، لأنه يكلمهم بكلام العذاب حيث قال تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 108‏]‏، ‏{‏وَلاَ يُزَكّيهِمْ‏}‏، أي ولا يطهرهم من الأعمال الخبيثة السيئة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ ولا يزكيهم أي لا يثني عليهم خيراً، ومن لا يثني عليه فهو معذب؛ ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏، أي وجيع يعني الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب، وكذلك كل من كان عنده علم فاحتاج الناس إلى ذلك فكتمه، فهو من أهل هذه الآية‏.‏ وهذا كما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «مَنْ كَتَمَ عِلْماً، أَلْجَمَهُ الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»

ثم قال‏:‏ ‏{‏أولئك الذين‏}‏، يعني رؤساء اليهود ‏{‏الذين اشتروا الضلالة بالهدى‏}‏، يعني اختاروا الكفر على الإيمان ‏{‏والعذاب بالمغفرة‏}‏، يعني اختاروا النار على الجنة؛ ‏{‏فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار‏}‏، يقول‏:‏ فما الذي أجرأهم على فعل أهل النار‏؟‏ ويقال‏:‏ معناه فما أبقاهم في النار‏؟‏ كما يقال‏:‏ فما أصبر فلاناً على الحبس‏:‏ أي أبقاه‏؟‏ ‏{‏ذلك‏}‏، أي ذلك العذاب ‏{‏بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق‏}‏، أي القرآن ‏{‏بالحق‏}‏، أي بالعدل‏.‏ ‏{‏وَإِنَّ الذين اختلفوا فِى الكتاب‏}‏، أي في القرآن ‏{‏لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ‏}‏، أي في ضلالة بيِّنة‏.‏ ويقال‏:‏ معناه أن الله تعالى أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بالعدل، فتركوا اتباعه وخالفوه فاستوجبوا بذلك العذاب‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ‏}‏، أي في خلاف بعيد من الحق‏.‏ وذكر عن قتادة أنه قال‏:‏ ‏{‏فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار‏}‏، أي فما أجرأهم على العمل الذي يقرب إلى النار‏.‏ وروي عن مجاهد أنه قال‏:‏ ما أعلمهم بعمل أهل النار‏.‏ ويريد ما أدومهم على عمل أهل النار‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ ما الذي صيرهم ودعاهم إلى النار‏؟‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏177- 177‏]‏

‏{‏لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ‏(‏177‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏

لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ‏}‏‏.‏ قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص‏:‏ ‏{‏لَّيْسَ البر‏}‏ بنصب الراء على معنى خبر ليس‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالرفع على معنى اسم ليس‏.‏ من قرأ بالرفع فهو الظاهر في العربية، لأن ليس يرفع الاسم الذي بعده بمنزلة كان؛ وأما من قرأ بالنصب، فإنه يجعل الاسم ما بعده ويجعل ‏(‏البر‏)‏ خبره‏.‏ وتفسير الآية قال مقاتل‏:‏ في قوله‏:‏ ‏{‏لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ‏}‏، أي ليس البر أن تحولوا وجوهكم في الصلاة ‏{‏قِبَلَ المشرق والمغرب‏}‏ لا تعملوا غير ذلك، ‏{‏ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله‏}‏، يعني صدق بالله بأنه واحد لا شريك له‏.‏ قرأ نافع وابن عامر ‏{‏ولكن البر‏}‏ بكسر النون وضم الراء‏.‏‏.‏‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏ولكن البر‏}‏ بنصب النون مشددة وبنصب الراء‏.‏ ويقال‏:‏ معناه ليس البر كله في الصلاة ولكن البر ما ذكر في هذه الآية من العبادات‏.‏ ثم اختلفوا في معنى قوله‏:‏ ‏{‏ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله‏}‏‏.‏ قال بعضهم‏:‏ معناه ولكن ذو البر من آمن بالله‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ معناه ولكن البر بر من آمن بالله؛ وكلا المعنيين ذكرها الزجاج في كتابه‏.‏ وقال بعضهم ليس البار من يولي وجهه إلى المشرق والمغرب، ولكن البار من آمن بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ‏.‏

ثم ذكر في هذه الآية خمسة أشياء من الإيمان، فمن لم يقر بواحدة منها فقد كفر‏.‏ أحدها‏:‏ الإيمان بالله تعالى أنه واحد لا شريك له والتصديق باليوم الآخر وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال وأنه كائن، وأن أهل الثواب يصلون إلى الثواب وأهل العقاب يصلون إلى العقاب والتصديق بالكتاب أنه منزل من الله تعالى القرآن وسائر الكتب‏:‏ التوراة والإنجيل والزبور، ويقر بالملائكة أنهم عبيده ويقر بالنبيين أنهم رسله وأنبياؤه فهذه الخمس من الإيمان فمن جحد واحدة منها فقد كفر‏.‏ ثم ذكر الفضائل فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَءاتَى المال على حُبّهِ‏}‏، يعني يعطي المال على شهوته وجوعه وهو شحيح يخشى الفقر، ويأمل العيش‏.‏ ويقال‏:‏ على حبه الإعطاء بطيبة من نفسه، يعطي ‏{‏ذَوِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل‏}‏، يعني الضيف النازل ‏{‏والسائلين‏}‏ الذين يسألون الناس ‏{‏وَفِي الرقاب‏}‏، يعني المكاتبين‏.‏ وقد قيل‏:‏ ‏(‏ابن السبيل‏)‏ هو المنقطع من ماله‏.‏

ثم ذكر الفرائض فقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَّيْسَ البر‏}‏ المكتوبة، ‏{‏لَّيْسَ البر‏}‏ المفروضة‏.‏ ‏{‏والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا‏}‏ فيما عاهدوا فيما بينهم وبين الله تعالى وفيما بينهم وبين الناس‏.‏ ‏{‏والصابرين فِى البأساء والضراء وَحِينَ البأس‏}‏‏.‏ أي بالبأساء وهي شدة الفقر؛ البأس قال القتبي‏:‏ يعني الفقر وهو من البؤس والضراء المرض والزمانة‏.‏ ‏{‏وَحِينَ البأس‏}‏، يعني يصبرون عند الحرب‏.‏ وقال القتبي‏:‏ البأس‏:‏ الشدة ومنه يقال‏:‏ لا بأس عليك يعني لا شدة عليك، فلهذا سمي الحرب البأس، لأن فيه شدة‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا‏}‏ يعني صدقوا في إيمانهم، ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون‏}‏ عن نقض العهد‏.‏

فإن قيل‏:‏ أيش معنى قوله‏:‏ ‏{‏والصابرين فِى البأساء والضراء‏}‏ وموضعه موضع رفع ولم يقل‏:‏ والصابرون‏؟‏ قيل له‏:‏ قد قال بعض من تعسف في كلامه‏:‏ إن هذا غلط الكاتب حين كتبوا مصحف الإمام؛ والدليل على ذلك ما روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه نظر في المصحف وقال‏:‏ أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها وهكذا قال في سورة النساء‏:‏ ‏{‏لكن الراسخون فِى العلم مِنْهُمْ والمؤمنون يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكواة والمؤمنون بالله واليوم الاخر أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 162‏]‏ وفي سورة المائدة ‏{‏والصابئون‏}‏‏.‏ لكن الجواب عند أهل العلم أن يقال‏:‏ إنما صار نصباً للمدح والكلام يصير نصباً للمدح أو للذم‏.‏ ألا ترى إلى قول القائل‏:‏

نَحْنُ بَنِي ضَبَّةَ أَصْحَابُ الجَمَلِ *** وإنما جعله نصباً للمدح‏.‏ وروي عن قتادة أنه قال‏:‏ ذكر لنا أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن البر فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ‏}‏ الآية‏.‏ وقال الضحاك ‏{‏أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا‏}‏ يعني صدقت نياتهم فاستقامت قلوبهم بأعمالهم‏.‏ ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون‏}‏، يعني المطيعون لله تعالى‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏178- 179‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏178‏)‏ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ‏(‏179‏)‏‏}‏

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُم الْقِصاصُ فِي الْقَتْلَى‏}‏، يعني فرض عليكم وأوجب عليكم القصاص‏.‏ فإن قيل‏:‏ الفرض على من يكون‏؟‏ على الولي أو على غيره‏؟‏ قيل له‏:‏ الفرض على القاضي إذا اختصموا إليه، بأن يقتضي على القاتل بالقصاص إذا طلب الولي، لأن الله تعالى قد خاطب جميع المؤمنين بالقصاص؛ ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا على القصاص فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص، فخاطب الولي بالقصاص وخاطب غيره بأن يعين الولي على ذلك‏.‏ وهو قوله ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص‏}‏، أي فرض عليكم إذا كان في القتل عمداً‏.‏

‏{‏الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والانثى بالانثى‏}‏‏.‏ قال بعضهم‏:‏ كان في أول الشريعة أن الحر يقتل بالحر والعبد بالعبد، ولا يقتل الحر بالعبد ولا العبد بالحر، ولا الذكر بالأنثى ثم نسخ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ الله فأولئك هُمُ الظالمون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 45‏]‏‏.‏ وقال بعضهم هي غير منسوخة، لأنه قد ذكر هذه الآية‏:‏ ‏{‏الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والانثى بالانثى‏}‏ ولم يذكر في هذه الآية‏:‏ أن العبد لو قتل حراً ما حكمه، فبيّن في آية أخرى وهو قوله‏:‏ ‏{‏النفس بالنفس‏}‏‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ نزلت هذه الآية في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية، فكان بينهم قتلى وجراحات وكان لأحدهما طول على الأخرى فقالوا‏:‏ لنقتلن بالعبد منا الحر منكم، وبالمرأة الرجل منكم، وبالرجل منا الرجلين منكم؛ فلما جاء الإسلام طلب بعضهم من بعض ذلك، فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والانثى بالانثى‏}‏‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَئ‏}‏، أي ترك ولي المقتول من أخيه‏:‏ أي القاتل ولم يقتله وأخذ الدية‏.‏ ‏{‏فاتباع بالمعروف‏}‏، يعني يطلب الدية بالرفق ولا يعسر عليه، وأمر بالمطلوب بأن يؤدي الدية إلى الطالب لقوله‏:‏ ‏{‏وَأَدَاء إِلَيْهِ بإحسان‏}‏‏.‏ وقال القتبي ‏{‏فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَئ‏}‏ قال‏:‏ قبول الدية في العمد والعفو عن الدم‏.‏ ‏{‏فاتباع بالمعروف‏}‏، أي مطالبة جميلة ‏{‏وَأَدَاء إِلَيْهِ بإحسان‏}‏ لا يبخسه ولا يمطله، معناه ولا يدفعه إذا عفا أحد ولي القصاص صار نصيب الآخر ملأ فيتبعه بالمعروف، والقاتل يؤدي إليه نصيبه بإحسان‏.‏

‏{‏ذلك تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ‏}‏، لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو وليس لهم قود ولا دية، فجعل الله تعالى القصاص والدية والعفو تخفيفاً لهذه الأمة، فمن شاء قتل، ومن شاء أخذ الدية، ومن شاء عفا‏.‏

وقال بعض الناس‏:‏ إن الولي إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل، وهو قول الشافعي، وقال أصحابنا‏:‏ ليس له أن يأخذ الدية إلا برضا القاتل‏.‏ وليس في هذه الآية دليل، أن له أن يأخذ الدية بكره منه، وفيها دليل أن له أن يقبل الدية وإذا رضي القاتل وَاصْطَلَحَا على ذلك‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اعتدى *** مِن بَعْدِ ذلك‏}‏، يعني أن يقتل بعد ما يأخذ الدية ‏{‏فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ أي وجع‏.‏ وقال قتادة‏:‏ يقتل ولا يتقبل منه الدية إذا اعتدى، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «لا أَعْفِي عَنْ أحَدٍ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ» ولكن معناه عندنا‏:‏ أنه إذا طلب الولي القتل، فأما إذا عفا عنه الثاني وتركه جاز عفوه، لأنه قتل بغير حق فصار حكمه حكم القاتل الأول، لأنه لو عفي عنه لجاز ذلك فكذلك الثاني‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَكُمْ فِي القصاص حياة‏}‏ بقاء، لأن الناس يعتبرون بالقصاص فيمتنعون عن القتل‏.‏ وهذا كما قال القائل‏:‏

أَبْلِغْ أَبَا مَاِلكٍ عَنِّي مُغَلْغَلَة *** وَفِي العِقَابِ حَيَاةٌ بَيْنَ أَقْوَام

وهذا معنى قوله‏:‏ ‏{‏وَلَكُمْ فِي القصاص حياة‏}‏ ‏{‏واتقون يأُوْلِي الالباب‏}‏، يعني يا ذوي العقول‏.‏ ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ القتل مخافة القصاص‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏180- 182‏]‏

‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ‏(‏180‏)‏ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏181‏)‏ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏182‏)‏‏}‏

‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمْ‏}‏ ‏{‏أي فرض عليكم ‏{‏إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْرًا‏}‏، أي مالاً‏.‏ الخير في القرآن على وجوه، أحدها‏:‏ المال كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن تَرَكَ خَيْرًا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 215‏]‏، ‏{‏لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلاًّنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 272‏]‏ أي المال‏.‏ والثاني‏:‏ الإيمان كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 23‏]‏ أي إيماناً، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ الله وَلاَ أَعْلَمُ الغيب وَلاَ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تزدرى أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ إنى إِذًا لَّمِنَ الظالمين‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 31‏]‏‏.‏ والثالث الخير‏:‏ الفضل كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الراحمين * فاتخذتموهم سِخْرِيّاً حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّى جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا أَنَّهُمْ هُمُ الفآئزون * قال كَمْ لَبِثْتُمْ فِى الارض عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ العآدين * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فتعالى الله الملك الحق لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش الكريم * وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون * وَقُل رَّبِّ اغفر وارحم وَأنتَ خَيْرُ الراحمين‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 109 و118‏]‏‏.‏ والرابع‏:‏ العافية كقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كاشف لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ على كُلِّ شَئ قَدُيرٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 17‏]‏ ‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغفور الرحيم‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 107‏]‏‏.‏ والخامس‏:‏ الأجر كقوله‏:‏ ‏{‏والبدن جعلناها لَكُمْ مِّن شعائر الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر كذلك سخرناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 36‏]‏ أي أجر‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ الوصية واجبة على كل مسلم، لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمْ‏}‏، أي فرض عليكم الوصية‏.‏ وروي عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «مَا حَقُّ امْرِئ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَةً وَعِنْدَهُ مَالٌ يُوَصِي بِهِ، إلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَه» وقال بعضهم‏:‏ هي مباحة وليست بواجبة‏.‏ وقد روي عن الشعبي أنه قال‏:‏ الوصية ليست بواجبة فمن شاء أوصى ومن شاء لم يوص‏.‏

وقال إبراهيم النخعي‏:‏ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص، وقد أوصى أبو بكر رضي الله عنه فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فليس عليه شيء‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إن كان عليه حج أو كفارة أي شيء من الكفارات فالوصية واجبة، وإن لم يكن عليه شيء من الواجبات فهو بالخيار إن شاء أوصى وإن شاء لم يوص‏.‏ وبهذا القول نأخذ‏.‏

ثم بيّن مواضع الوصية فقال تعالى‏:‏ ‏{‏الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف‏}‏‏.‏ قال مجاهد‏:‏ كان الميراث للولد والوصية للوالدين والأقربين، فصارت الوصية للوالدين منسوخة‏.‏ وروى جويبر، عن الضحاك أنه قال‏:‏ نسخت الوصية للوالدين والأقربين ممن يرث، وثبتت الوصية لمن لا يرث من القرابة‏.‏ ويقال‏:‏ في الآية تقديم وتأخير، معناه كتب عليكم الوصية للوالدين والأقربين إذا حضر أحدكم الموت؛ وكانوا يوصون للأجنبيين ولم يوصوا للقرابة شيئاً، فأمرهم الله تعالى بالوصية للوالدين والأقربين‏.‏ ثم نسخت الوصية للوالدين بآية الميراث في قوله‏:‏ ‏{‏بالمعروف حَقّا عَلَى المتقين‏}‏، أي واجباً عليهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ‏}‏، أي غيّره بعدما سمع الوصية؛ ‏{‏فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ‏}‏، أي وزره على الذين يبدلونه ويغيرونه لا على الموصي، لأن الموصي قد فعل ما عليه‏.‏ ‏{‏إِنَّ الله سَمِيعٌ‏}‏ بالوصية ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ بثوابها وبجزاء من غيّر الوصية‏.‏ ‏{‏فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا‏}‏، أي علم من الموصي الجنف وهو الميل عن الحق ‏{‏فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏}‏، إذا غيّر وصيَّته فردها إلى الحق، لأن تبديله كان للإصلاح ولم يكن للجور‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ ‏{‏فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا‏}‏، أي علم من الميت الخطأ في الوصية، ‏{‏أَوْ إِثْماً‏}‏، يعني تعمداً للجور في وصيته فزاد على الثلث؛ ‏{‏فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ‏}‏، أي رد ما زاد على الثلث ‏{‏فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏‏.‏ هكذا قال مقاتل‏:‏ وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال‏:‏ الإضرار في الوصية من الكبائر‏.‏

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر‏:‏ «فَمَنْ خَافَ مِنْ موَصّ» بنصب الواو وتشديد الصاد، وقرأ الباقون‏:‏ بسكون الواو وتخفيف الصاد؛ فمن قرأ بالنصب والتشديد، فهو من وصّى يوصي؛ ومن قرأ بالتخفيف، فهو من أوصى يوصي‏.‏ وهما لغتان ومعناهما واحد ‏{‏فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏، معناه غفور لمن جنف رحيم لمن أصلح‏.‏